محمد بن وليد الطرطوشي
349
سراج الملوك
الفصل الثامن والأربعون في سيرة السلطان في بيت المال وهذا باب سلكت فيه ملوك الطوائف والهند والصين والسند ، وبعض ملوك الروم ، خلاف سيرة الأنبياء والمرسلين ، والخلفاء الراشدين ، فكانت الملوك تدّخر الأموال ، وتحتجبها دون الرعية ، وتعدّها ليوم كريهة « 1 » ، على ما بينا في الباب قبله ، وكانت الرسل والخلفاء بعدهم تبذل الأموال ولا تدّخرها ، وتصطنع الرعية وتوسّع عليها ، قكانت الرعية هم الأجناد والحماة . وهذه سيرة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد علمتم أن جوعه كان أكثر من شبعه ، وأنه مات ودرعه مرهونة في صاع شعير عند يهودي ، وكذلك الخلفاء الراشدون بعده ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلى ، وابنه الحسن ، وعمر بن عبد العزيز . وأن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، لما فتح الله عليه اليمن ، كان تجبى له الأموال فيفرقها ليومها ، وقد توضع في المسجد ، وتفرش الأنطاع « 2 » ، ويفرقها من الغد ، ولم يكن له بيت مال . وروى أبو داود في السنن : « أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم صلى العشاء الآخرة ، ثم دخل حجرته وخرج مسرعا ، وفي يديه خريقة فيها ذهب ، فقسمه ، ثم قال : ما ظن آل محمد لو أدركه الموت وهذا عنده » « 3 » ؟ ! ولم يكن للنبي صلى اللّه عليه وسلم بيت مال ، ولا للخلفاء الراشدين بعده ، وإنما كانت الخلفاء تقسم الأموال التي جبيت من حلّها بين المسلمين ، وربما يفضل منها فضلات ، فيجعل في بيت ، فمن حضر من غائب ، أو احتاج من حاضر ، قسم له حظه ، ثم يفرّق حتى لا يبقى في البيت منه درهم .
--> ( 1 ) يوم كريهة : يوم ضيق وشدة وكرب . ( 2 ) الأنطاع : البسط تفرش على الأرض . ( 3 ) روى الإمام أحمد في مسنده مثله عن عائشة أنه كان عندها ستة دنانير شغلها مرضه عليه السلام عن توزيعها فلما عافاه الله قال لها : « ما ظن نبىّ الله لو لقى الله عز وجل وهذه عنده » مسند الإمام أحمد 6 / 104 كما رواه ابن كثير بهذا ( اللفظ ) في البداية والنهاية ج 6 / ص 56 . والخريقة : القطعة من الثوب الممزق .